افسحوا المجال لصوت العقل

23 - فبراير - 2020 , الأحد 04:52 مسائا
150 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةالكتاب ⇐ افسحوا المجال لصوت العقل

بضع سنوات مضت أمضت بأحداثها مغارز في الصدور وجراحات غائرة، غائرة يصعب نسيان آلامها.
برزت فيها ظواهر غريبة دخيلة منكرة على مجتمعنا، صارت أرواح الأبرياء رخيصة؛ ودماؤهم مسفوكة، بلا ذنب ارتكبوه سوى رسم الابتسامات على شفاه الأيتام والمحرومين، والقيام بواجبهم تجاه وطنهم، وصناعة المعروف مع الجميع، فجازيناهم بزرع الأسى والحرمان في وجوه أبنائهم.. فكيف لنا أن ننجو ونحن نلوذ بهذا الصمت.

هكذا يغتال الشرفاء، ويُعدم الوجاهات من أهل الفكر والدين والاستقامة؛ مدنيين وعسكريين؛ حتى لكأن الفاعل يشي بنفسه أنه بلا شرف وبلا فكر وبلا وجه؛ و كيف يكون له وجه وهو يتخفى كمن تفعل فعلتها.

وشتان شتان بينهما؛ إذ لا يجوز المقارنة بينهما؛ فبغي سقت كلبا فدخلت الجنة..
لكن قاتل النفس التي حرم الله مخلدا في النار ولن يشم ريح الجنة.
وأنى لمن حرم طفلا من أبيه وزوجة من زوجها، أو والدا من ولده بلا سبب، و بلا ذنب، أنى له أن يعرف الرحمة أو أن يجدها !
وليس هناك أمرّ من هذه المآسي إلا السكوت عنها؛ خصوصا من قبل المسؤلين، وأهل الرأي.
نعم .
بضع سنوات خلت اختلطت فيها الأمور، ارتفع فيها منسوب الحُمق، وأخلاق الأنانية والأثرة على مستوى البيت، المؤسسة، المدرسة، الشارع.

وعلى صعيد فساد المعايير انقلبت الموازين؛ فالطالب الذي لم يبلغ الحلم فاق معلمه في الراتب، والصغير يرفع صوته على الكبير، والجاهل يقود المتعلم ولا صوت يعلو فوق صوت الجهل والفوضى.

بضع سنوات خلت، ناضل فيها أبطال، فجوزوا جزاء سنمار، إذ البعض لم ير الشمس منذ سنوات.
وثلة تواروا عن المشهد، ولزموا بيوتهم، لم يسألوا أحدا شيئا، كما لم يسأل عنهم أحد.
و هناك جرحى لم نسأل عنهم، ذهبت بعض أجسامهم، فقدوا أعز ما لديهم، لم نكلف أنفسنا السؤال عنهم وعن حاجتهم للعلاج، أو زيارتهم بعد مرحلة العلاج، فهم يعانون الوحدة، والنسيان، والقهر من الصدود والنكران؛ إلا من بعض الأوفياء وما أقلهم .

وأما الشهداء فما وفيناهم حقهم، فلكم أن تتصوروا شهداء قدموا أرواحهم في الجبهات مازالوا حتى اللحظة محرومين من رواتبهم بحجة أنهم موظفون، في الوقت الذي فيه رواتبهم منقطعة، أو زهيدة لا تتجاوز الثلاثين الف ريال.
فهل هذا ما يستحقه الشهداء منا !

بضع سنوات مضت اغتنى فيها الكثير بلا سبب مشروع، و افتقر فيها شرفاء إذ حُرموا من حقوقهم ومرتباتهم، كما انقطعت عنهم الأعمال وحرموا من أسباب العيش.
بضع سنوات مرت أسست فيها الفوضى مداميك العبث، وغاب فيها المسؤلون - إلا من رحم الله - عن القيام بدورهم فلا إنصاف ولا عدل ولا مساواة ولا ثواب ولا عقاب. كما لا عمل ولا تنمية؛ بل ولا نظافة، إذ ستظل مخلفات القمامة ونتانتها والأكياس المتطايرة بألوانها الحمراء والسوداء المستقرة فوق الأشجار وعلى الطرقات صورة معبرة لتلك الخفة والطياشة التي تلازم المرحلة.

إن كان هناك من ثِقَل أو ثبات فهو في تلك الطباع المنشغلة بالتحصيل الخاص، سواء من موارد الدولة العامة، أو من حقوق ومرتبات الجنود المساكين، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا حين يدعون الشرف والوطنية.

آن لصوت العقلاء أن يُرفع، وآن للجميع أن يَسمع.
لقد غاب صوت العقل - بل غُيّب - واندثر صوت الحكمة، وحضر التبختر في كل شيئ،
ارتفع الصخب المنبعث من إطارات السيارات المسرعة بلا موجب لذلك، وتعالت الصرخات الغاضبة من بعض الأشاوس وهم يفضون الازدحام بإطلاق الرصاص أرضا وجوا ليتمكنوا من اقتحام أسواق القات، وعند المرور في الطرقات الرئيسية.
لا يهم في أي رأس تستقر تلك الرصاصات .

مالذي جرى؟ و ماذا دهى الناس؟
إلى أين نحن ذاهبون؟

من يعلم من؟
ومن ينصح من ؟
فعلى مستوى التعليم
شكونا من تجهيل ممنهج للأجيال، لكننا بدلا من الاهتمام بالجيل أغلقنا دونه أبواب المدارس.
فماذا تظنون بالجيل عندما يعيش بعيدا عن محاضن التربية؟
إننا حين نغلق أبواب المدارس لأي سبب كان؛ فيعني أننا - وبدون قصد ربما - نفتح أبواب الشرور على المجتمع.

إن الجهل شر مستطير، والفراغ قاتل، والأشرار يتربصون بأبنائنا ليردوهم في مستنقع الرذيلة، ليتم إفسادهم بالحبوب والمخدرات، أو حتى تجنيدهم مع جهات على حساب دينهم، أو ضد وطنهم.
من المسؤل عن ضياع الجيل؟
من المسؤل عن هذه الأوضاع؟
دعونا من رمي التهم جزافا على غيرنا، وتقمص ثياب البراءة حتى لكأننا معصومين من الأخطاء.
لنكن صريحين مع أنفسنا.
لنصلح ما بين أيدينا، حتى يكون لانتقادنا لغيرنا معنى.
لنقم بواجبنا حتى يكون لمطالبنا صدى مسموع.

إذا فثمة صوت لٱ بد أن يُسمع، وثمة كلام لٱ بدّ أن يقال، و لا بد من المصارحة لأجل تجاوز هذه المشاكل.
إن الوطن ملك جميع أبنائه، وهو ليس إقطاعية خاصة بتيار، أو ملكية تابعة لجماعة أو حزب؛ بحيث تتحكم فيه بعض العقول العتيقة، أو تفتي شلة بما يجوز وما لا يجوز .
لقد قادتنا الفوضى إلى هذه الحالة التي نحن فيها، وقادنا الشطط إلى متوالية من الأفعال النزقة، والأخلاق السيئة التي لم نتوقعها يوما.

لقد أبعدنا العقلاء والكفاءات والشخصيات الوطنية المخضرمة في السياسة والاقتصاد والإدارة وغيرها، أبعدناهم عن المشهد العام بإيعاز من المستفيد الأول؛ الذي فضّل أن يلعب مع من يوافقون هواه، من حديثي السياسة، أومع كبار عديمي الحيلة والتفكير، إلا من ترديد ما يقال لهم، والسير خلافا لوجهة الشعب، والنتيجة خلق العداوات والبغضاء بين أبناء الشعب وهذا هو الخسران المبين

فأين نحن اليوم؟
لقد تحكم بنا الآخرون بدون إرادة منا يحركوننا متى شاؤا، ولا نعدم تبريرا بأننا نعمل لأجل الوطن، ولو أننا نرى بأم أعيننا أننا نمزق هذا الوطن ونقتل هذا الشعب ونقتل مستقبله.
نرى بأم أعيننا كيف تتناقص الأرض من أطرافها، ومع ذلك غارقون في الخلافات والصراعات، وفي استمالة الآخرين على بعضنا؛ وكلنا مستهدفون، مهما بدا التشجيع من هذا على ذاك.
تستهوينا الظنون، وتستبد بنا الأوهام وتتكرر المأساة ولا نتعظ؛ كما لوكنا بلا ذاكرة.

هل هذا الوضع يرضي أحدا !
قولوا بربكم هل هذا الواقع علامة على وجود العقل !

لا أرى إلا أننا قد تجاوزنا مرحلة ممارسة الخطأ إلى استمرائه؛ فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا !
وهنا يجب على المثقفين والمخلصين من أبناء الشعب التوضيح والبيان وممارسة النصيحة، وإشاعة روح النقد بهدف صون المجتمع من كل ظاهرة منكرة، فنحن جميعا من نكتوي بالنار المشتعلة تحت أقدامنا، فلنبعدها من تحت أقدام أولادنا.

والله المستعان

الشوارع خالية وكذلك المراكز التجارية والمؤسسات والمطارات، هذا العالم أصبح هادئاً أكثر من اللازم، كورونا والحكومات التي أكتشفت صحة إجراءات دولة الصين والخوف على الحياة وراء كل هذا الهدوء العظيم. لطالما حلمتُ بلحظات كهذه في العالم ولم أجدها، منذ »

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

مساحة إعلانية

فيس بوك

تويتر

إختيارات القراء

إختيارات القراء