لماذا تراجعت مدرسة التفسير اليمنية ؟

08 - مايو - 2020 , الجمعة 04:39 صباحا
271 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةنبيل البكيري ⇐ لماذا تراجعت مدرسة التفسير اليمنية ؟

نبيل البكيري
على الرغم من الإسهام العلمي الكبير لليمنيين في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وفي تفسير القرآن الكريم تحديداً، إلا أنه لم يظهر لهم سوى كتاب في تفسير القرآن، وهو تفسير فتح القدير للإمام الشوكاني، ذاع صيته في الأرجاء، مع أن لليمنيين جهوداً كبيرة وكثيرة في تفسير القرآن، منذ القرن الهجري الأول، فقد ساهم اليمنيون بكتابي تفسير لم يريا النور بعد، تفسير معمر بن راشد الأزدي المتوفى سنة 153 هجرية وتفسير تلميذه عبد الرزاق بن همام الحميري المتوفى سنة 211 هجرية، وهما من هما من أعلام الحديث والفقه والتفسير، وكانا مقصداً لكثيرين من طلبة العلم وأئمته في العالم الإسلامي، كالشافعي وغيره، وقبلهم قطعاً وهب بن منبه الأبنائي اليمني وكعب الأحبار اليمني.


ولكن المساهمة الأبرز والمفاجئة كانت كتاب تفسير لعلامة اليمن ومفخرتها نشوان بن سعيد الحميري، وهو "البيان في تفسير القرآن"، ولا يزال مجرد نسخة مخطوطة في المكتبة الأمبروزيانية في إيطاليا ومخطوط آخر في مكتبة برلين.
ولا ندري أي زهد هذا الذي جعل اليمنيين يغفلون عن كنز معرفي في تفسير القرآن الكريم لقامة علمية كبيرة كنشوان الحميري، وهم من هو علماً ومكانة وتاريخاً.
وقد تلت جهود الحميري ثلاثة تفاسير أخرى في القرن الثامن الهجري، تفسير علي بن يحيي البنا، وتفسير عطية محيي الدين النجراني، وتفسير أبي البقا التهامي أيضاً، وهم من أعلام اليمن وفقهائه الكبار في عصرهم وزمانهم، ولكن كتبهم لا تزال مخطوطة وغائبة، لا أحد يدري مكاناً لها، وإن كان أكثر رجحاناً أنها في خزائن المخطوطات الغربية، إن سلمت من الضياع والتلف.

وعقب ذلك ظهرت تفسيرات وإسهامات كثيرة لليمنيين في تفسير آيات الأحكام الفقهية، وبرز فيها محمد بن الهادي، في كتابه "الروضة والغدير في تفسير آيات الأحكام"، ثم ظهر كتاب "تفسير الحداد"، وهو أقرب إلى تفسير الجلالين في تتبع معاني مفردات القرآن.
وإلى جانب علماء التفسير والمفسرين، ترك علماء في القراءات القرآنية وعلومه كتباً مهمة، في مقدمتهم ابن مشيرح الحضرمي وعبد الله بن أحمد بن أبي هيثم، عدا عن جماعة من المقرئين اليمنيين، منهم إسحاق بن محمد المعافري في القرن الهجري السابع وحسن بن محمد الشظبي، في القرن التاسع الهجري أيضاً، وأحمد بن محمد الشرعبي، وكان لهم أيضاً كتب في علوم القرآن، ولم يصل إلينا منها شيء. ومن هؤلاء العلماء أيضاً العلامة عثمان بن عمر الناشري المتوفى في سنة 848 هجرية وله عدة كتب، وتلاه محمد بن محمد الساودي، صاحب كتاب فكاهة السماع، وأيضاً مجايله وصاحبه مفضل الملحاني.

لنا أن نتساءل، نحن اليمنيين، اليوم، أين ذهبت كل هذه الجهود اليمنية العلمية في الدراسات القرآنية، والدراسات الإسلامية عموماً؟ ولماذا لا يتم إحياء هذه الجهود والتنقيب عنها؟ وما سبب كل هذا التلاشي والضياع لجهود المدرسة اليمنية في الدراسات الإسلامية، وهي التي كانت من
أوائل المدارس الإسلامية المبكرة في شرح العلوم الإسلامية المختلفة، ودراستها وتصنيفها وتقعيدها.

صحيح أن ثمة مدارس إسلامية عديدة، حسب الأقطار والأمصار، ولكن المدرسة اليمنية هي الأولى والأسبق، وكانت مصدراً لأغلب الباحثين والدارسين في العالم الإسلامي حينها، لما مثلته من أسبقية، وقد برز فيها أعلام كبار استطاعوا أن يكونوا أرقاماً مهمة في شتى ألوان العلم والمعرفة الإسلامية. ولا يفوت في هذا السياق أيضاً الحديث عن أن ثمة اختلافات ما بين مدرسة وأخرى راجعة إلى اختلافات لغوية وعادات وتقاليد وأعراف وبيئة ثقافية تفرض نفسها على اجتهادات المجتهدين، ما ساهم في وجود بعض الفروق بين مدرسة وأخرى، فنجد مثلاً أن مدرسة مكة والمدينة كانت تختلف عن مدرستي البصرة وبغداد، كذلك تختلف المدرسة الشامية عن المصرية وهكذا.

وكذلك ثمّة اختلاف بين المدراس المغاربية عن مثيلاتها من المدارس الإسلامية المشرقية فقهاً ورواية ودراية، منطلقة من باب الاجتهاد العلمي الواسع، وهذا يستدعي عودة اليمنيين إلى التنقيب عن جهودهم العلمية التي كان لها، هي الأخرى، أكبر الأثر في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا وشرق آسيا أيضا التي لم يدخلها الإسلام إلا عن طريق اليمنيين.

لماذا خفت حضور اليمنيين العلمي، وغيبت إسهاماتهم العلمية في شتى فنون العلم والمعرفة على مدى قرون؟ ومن ساهم في كل ذلك التراجع الكبير الذي عزل اليمن عن العالم، اليمن الذي كان قبلة للعلم والعلماء منذ القرن الهجري الثاني، وبرز فيه كثيرون من العلماء الأعلام، كمعمر بن راشد الأزدي وعبد الرزاق بن همام الحميري ووهب بن منبه وكعب الأحبار، وغيرهم، فضلاً عن زيارة عديدين من أعلام العلم اليمن طلباً للعلم، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي الذي قال في ذلك مقالته الشهيرة "لا بد من صنعاء وإن طال السفر"؟.

ما سبب كل هذا التراجع، بعد أن كانت اليمن بكل ذلك الحضور العلمي، فيرجع بعضهم ذلك، في جزء كبير منه، إلى حالة عدم الاستقرار السياسي الذي وصم الحياة اليمنية قروناً، باستثناء حالة الدولة الرسولية (626 – 858 هجرية)، والتي كانت قبلة للعلم ومنارة للحضارة الإسلامية في شتى فنونها. وفي عهدها أنجز الفيروزأبادي القاموس المحيط، وأنجز المقري كتابه الفريد "عنوان الشرف الوافي"، وغيرهما من الكتب العلمية الفريدة في الطب والفلك وغيرها.

وفي حالة التوتر والانقطاع والتراجع الحضاري، ساعدت فكرة الزيدية السياسية ودويلات الإمامة عقوداً في حالة إعاقة دائمة في هذا السياق، لما مثلته من عامل عدم استقرار سياسي وفكرة نابذة للإبداع، ومضادة لكل تنوع واختلاف فكري وثقافي عنها وخارج نسقها المذهبي. فقد رأينا كيف تمت مضايقة المبدعين ونفيهم وسجنهم، كما جرى للسان اليمن وعلامتها، أبو محمد الحسن الهمداني، صاحب كتاب "الإكليل" الذي يُعد بحق إنجيل الأمة اليمنية وذاكرتها، فضلاً عن نشوان بن سعيد الحميري، صاحب "شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم"، وغيرهما كثيرون من الأعلام الكبار.

بالعودة إلى مسألة مدرسة التفسير اليمنية وغيابها وتغيبها الطويل، فإن جزءاً كبيراً من هذا التراجع يعود، بشكل كبير، إلى عدم الاستقرار السياسي الذي ضرب الجغرافيا اليمنية، منذ القرن الهجري الثاني، حيث تعاقبت على حكم اليمن دويلاتٌ عدة، منفصلة عن الدولتين المركزيتين في بغداد ودمشق. وأكبر عامل إعاقة وعدم استقرار تمثّل بالدولة الزيدية التي قامت على فكرة الحق الإلهي في الحكم والعلم، باعتبار الحكم حقاً حصرياً لسلالة منهم، وكذلك العلم الذي لا يجوز لأحد الخوض فيه سوى لسلالة بعينها، وهو ما أدّى إلى تراجع كبير لمسيرة الاجتهاد، فضلاً عما تعرّضت له خزائن مخطوطات اليمن من العبث والإتلاف من هذه الدولة التي كانت تختفي لتعود مجدّداً حاملة كل عوامل عدم الاستقرار والفوضى ضد خصومها.

قد يسأل سائل: لماذا تحميل الزيدية دون غيرها هذا التراجع الحضاري لليمن، خصوصاً أن علماء ومجتهدين كباراً نبغوا وهم قادمون من قلب المدرسة الزيدية، فمثل هذا السؤال إجابته باختصار تتمثل بالخط العام الذي خرج إليه هؤلاء الأعلام الكبار من المقبلي والوزير والجلال والشوكاني وابن الأمير، وكلهم غادروا الزيدية مذهباً، وإن انطلقوا منها ابتداءً.
وتسنن هؤلاء جميعاً، وفارقوا النسق الزيدي الهادوي في الفكر والتمذهب، فلاقوا، جراء ذلك، كثيراً من الاضطهاد والتعسف اللذين دفعا بهم إلى مغادرة اليمن، كالإمام صالح المقبلي، أو الاعتزال كبقية العلماء، باستثناء الشوكاني الذي بقى ضمن دواليب الدولة الزيدية القاسمية قاضياً، والتي عاشت صراعاً ضارياً بين متنافسيها، من آل القاسم، فقربه أحدهم، أي الشوكاني، لأنه كان ضد الخروج عن الحاكم باعتبار تسننه.

ويبقى عامل الإعاقة والتراجع الحضاري والعلمي يعود، بشكل كبير، إلى الصراعات السياسية التي أزّمت الحياة العلمية وسمتها بالخلافات، والتي كانت تتطور إلى إتلاف المخطوطات، كما حصل لفرقة المطرفية الزيدية التي أحرقت كل كتبها من أئمة الزيدية أنفسهم، على الرغم من زيديتهم، فقط لأنهم لم يكونوا يقولون بشرط النسب الهاشمي في الحكم والعلم.



*نقلا عن العربي الجديد

العنصرية ظاهرة قديمة حديثة، عابرة لتاريخ المذاهب والأديان والثقافات، باعتبارها مرضاً اجتماعياً عانت منه البشرية كثيراً، ودفعت وتدفع ثمن هذه الظاهرة الاجتماعية المرضية الكثير اليوم من أمنها واستقرارها وسلامها الاجتماعي. ونرى اليوم في الولايات المتحدة »

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

مساحة إعلانية

فيس بوك

تويتر

إختيارات القراء

إختيارات القراء

لا توجد تعليقات