بطل «الرهينة» يرحل تاركاً اليمن أرضاً ممزقة

05 - يناير - 2017 , الخميس 09:43 صباحا
795 مشاهدة | لا يوجد تعليقات
الرئيسيةفكر و ثقافة ⇐ بطل «الرهينة» يرحل تاركاً اليمن أرضاً ممزقة

الأديب والمناضل أحمد قاسم دماج
بطل «الرهينة» يرحل تاركاً اليمن أرضاً ممزقة
الضالع نيوز - الحياة - أحمد زين



مثلما عبّر صباه عن لحظة حالكة في التاريخ اليمني، كانت أشبه بكابوس ثقيل عاش رعبه اليمنيون وذاقوا ويلاته طويلاً، يختار البطل الفعلي لرواية «الرهينة» التي تعد واحدة من الروايات العربية المهمة والمنتشرة في ترجمات عالمية عدة، أيضاً لحظة لا تقل عن تلك قتامة وضياعاً ليرحل عن البلاد التي كتب فيها شعراً وناضل من أجل نيل حريتها، وخاض المعارك، جنباً إلى جنب مع ثوار أيلول (سبتمبر) 1962، لإنقاذها من الطغيان.


يمضي الأديب والمناضل أحمد قاسم دماج (1939 - 2017) إلى مثواه الأخير، تاركاً اليمن الذي ارتبطت سيرته ببعض أهم الحقب التاريخية والاجتماعية والسياسية فيه، مدمراً ومحاصراً في واحدة من أكثر لحظاته كارثية، يمناً على شفا الانقسام والتشرذم. عاش دماج وهو ابن عم الروائي اليمني الراحل مطيع زيد دماج وبطل روايته الشهيرة، طفولته في كنف حكم إمامي سجن شعبه وقيد أحلامه وحول البلاد إلى سجن كبير مصمت ومنيع حتى الهواء كان يدخل إليه خلسة، ثم شاء له القدر أن يقضي أعوامه الأخيرة في ظل أقلية تعاطف في لحظة مع مظلوميتها ودافع عن حقها في الوجود، لتحرقه لاحقاً بنيران استبدادها عندما استولت على البلاد، ونادت بعودة اليمن إلى حكم «السلالة المقدسة»، في ما يشبه الاسبتاحة لنضال جيله، والتنكيل بتضحياتهم.


قلة من القراء العرب من يعرفون أن البطل الذي باح بأسرار القصر وفضح ما يحدث خلف أسواره، ليس شخصية متخيلة تماماً إنما حقيقية من لحم ودم. زيد مطيع دماج (1943 - 2000) مؤلف الرواية، هو من كان يفترض أن يكون «الرهينة» وهو من كان على جنود الإمام اقتياده إلى السجن، لضمان ولاء والده الذي كان أحد مشايخ القبيلة آنذاك، إلا أن أمه جنبته هذا المصير باكراً عندما أخفته عن العيون وحصنته من بطش الإمام، ليذهب بدلاً منه ابن العم أحمد قاسم دماج وهو في السابعة من العمر. وفي قصور الإمام وسجنه سيتعرف على حياة مختلفة، حياة مليئة بالنساء والأسرار والحكايات الغرائبية، وبحراس تلتهم عيونهم صبياناً لفظهم القصر بعد أن كبروا قليلاً، وأصبح من الممكن أن يشكلوا خطورة على نسائه.


ويحكي أحمد لاحقاً ما حدث له بين السجن والقصر لابن عمه زيد، أو أن هذا الأخير هو من ألح في معرفة تفاصيل سنوات الرعب، وسينجح في نسج رواية من تلك التفاصيل، رواية ميزت القرن العشرين يمنياً وعربياً، إذ صدرت «الرهينة» في عام 1984، وترجمت إلى عدد كبير من اللغات الأجنبية وعرفت في أنحاء من العالم، وتدور أحداثها في الإربعينات في عهد الإمام يحي حميد الدين الذي لئن كان عالماً متبحراً في علوم الدين إلا أنه كان رجعياً ومتخلفاً في السياسة والحياة الاجتماعية، حاكماً لم تراوده الأحلام في بلاد منفتحة وشعب ينعم بالرخاء، فضيع الطريق إلى المستقبل، وغابت عنه نبوءة القادة التاريخيين وحكمتهم.
لم يكتب أحمد قاسم دماج، الذي نعاه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومثقفو بلاده، ما جرى له في قصور الإمام وسجونه، أولم يشأ أن يفيد منه في نسج عمل سردي أو حتى شعري طويل يخصه هو نفسه، على رغم أنه كان أديباً وشاعراً مرموقاً فهو يعد أحد رواد التحديث في الشعر، وبالتالي فهو لم يفتد ابن عمه فقط مجنباً إياه مصير الفقد وقسوة التجربة صبياً، إنما ساهم من خلال حكايته المأساوية تلك في جعله أيضاً أحد أهم كتاب العربية.


حماسة اليساري الثائر

على أن تلك المرحلة التي كان فيها أحمد قاسم رهينة يخضع لصنوف من المعاناة والحرمان من حنان الأم ودفء العائلة، لم تكن أهم ما عاشه في حياته، وما خبره خلال تاريخه المديد، فثمة محطات حافلة بالأحداث المهمة أيضاً، عاشها ثائراً يسارياً في صفوف الجمهوريين إذ خاض مع الثوار معارك شرسة ضد الملكيين وأصيب بالرصاص في غير مرة. وفي ظل الجمهورية أعتقل مراراً هو الذي يعد أحد مؤسسي حركة القوميين العرب ومن أبرز قادتها في اليمن، كما أنه استقال من مناصب حساسة، مدفوعاً بحماسة اليساري الثائر، وصورة الحالم الكبير الذي يذهب بعيداً في حلمه فلا يعود يقبل بأنصاف الحلول، فهو اختير ليكون أول أمين عام لمجلس الوزراء بعد ثورة 1962، إلا أنه آثر ترك المنصب احتجاجاً على مشاركة الحكومة في مؤتمر حرض، الذي عقد بعد اندلاع الثورة بعام واحد، وبدا حينها في غير مصلحة الجمهوريين.
وعيه التقدمي وحسه التنويري وشعوره بحاجة البلاد، في لحظة مفصلية من تاريخها، إلى مؤسسات مجتمع مدني وإلى منابر إعلامية تساند الثورة وتبث المعرفة وتساهم في بلورة رؤى جديدة، دفعته إلى الإسهام بفعالية في تأسيس صحيفة الثورة التي تعد اليوم من أبرز الصحف اليمنية، كما كان إسهامه أساسياً في نقابة الصحافيين وفي اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي تولى رئاسته عقب الشاعر الكبير عبدالله البردوني الذي يعد أول من ترأس هذه المؤسسة التي نشأت وحدوية في مطلع السبعينات، ولم تعترف بالتشطير في اليمن.
وكان وجوده في الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب إلى أعوام قريبة قبل اندلاع الأحداث المأساوية، يبعث الارتياح لدى طيف واسع من الأدباء والمثقفين اليمنيين، إذ كان في ما يبدو الحارس الأمين والأخير على مجد هذا الكيان الوحدوي، يصون أدواره الطليعية التي لعـــبها طوال حـــقب عرفت المد والجزر في السياسة وفي مجالات أخرى، حريصاً على ألا تحيد أهدافه عما تأسست من أجله.
ومن المعروف رفض الراحل، الذي عرف في نطاق واسع سواء داخل اليمن أم خارجه بكتاباته التنويرية ونقده الحركات السياسية، تولي مناصب مهمة، لعل أبرزها، كما تردد، وزارة الثقافة خلال حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وهي الوزارة التي يتبوأ اليوم ابنه مروان منصب الوزير فيها.
التمرين على قهر الرغبات


ومع كل طبعة جديدة أو ترجمة إلى لغة أخرى أجنبية، تعود «الرهينة» إلى واجهة المشهد الأدبي والسياسي في اليمن، ويتجدد النقاش حول تلك الحقب المظلمة التي عاشها اليمنيون، ومقدار التضحيات التي بذلت لكسر جدار العزلة والخروج إلى فسحة من النور والحرية، وفي قلب كل ذلك يتذكر الجميع أحمد قاسم دماج البطل الحقيقي لتلك التراجيديا التي طبعت عقوداً بكاملها بعنفها وطغيانها واستبدادها، دماج الذي يمثل جيلاً عرف بعض رموزه، صغاراً، المرارة والعيش خلف أسوار من الغموض والإذلال والانتهاك النفسي والمعنوي وحتى الجسدي.
قاوم أحمد قاسم دماج، الذي طالما حذر في كتاباته ومقابلاته من التفكك والتـــشظي بســــبب صلف الساسة وجهلهم حاجة الإنســان البسيط، الرغبة الجامحة التي اعترته في القصر، كلما لاحت له فرصة الاقتراب من شريفات القصر، في ما يشــــبه التمرين باكراً على قهر الرغبات والتمرد عليها، منحازاً بالكامل إلى قناعاته وخياراته التي ستجعل منه واحداً من أهم الأدباء والسياسيين في بلاده، ومن أكثرهم نزاهة وابتعاداً عن التكسب من تاريخه ومن تضحياته.

أخيراً، تبدو قوة رواية «الرهينة» وسر حضورها المتجدد في سطوة موضوعها الفريد الذي يجمع بين الواقعي والغرائبي، لا في جمالية سردها وأسلوبها الذي جاء بسيطاً وعميقاً في آن. كتب زيد مطيع دماج أعمالاً كثيرة وأصدر عدداً من المجاميع القصصية، إلا أنه بقي معروفاً بـ «الرهينة» في الخارج وحتى داخل اليمن، الرواية التي لم تستطع القراءات المتكررة لها ولا الدراسات النقدية الكثيرة تبديد سحر التفاصيل فيها، أو التخفيف من جيشان المشاعر والعواطف والمخاوف التي انتابت بطلها، وانتقلت عدواها إلى القارئ الذي يجد نفسه يعيش رهبة القصور وما تكتنفه من أسرار، مأخوذاً بحكاية الصبي الصغير، الذي كانه أحمد قاسم دماج.

معالم التنزيل فيما يستحق المعلم من الاجلال والتبجيل..... د.عبدالله الصيادي ابتعث الله الأنبياء والرسل، معلمين. علماء عاملين، استنارت بهم الدروب، وتنورت بنورهم الأمم والشعوب، رسالتهم رسالة تعليم لآيات الكتاب الحكيم(ويعلمهم الكتاب والحكمة....)، رسالتهم رسالة تربية وتزكية(...ويزكيهم)..هكذا تتمة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

الإسم:

البريد الإلكتروني :

العنوان :

نص التعليق :
*

مساحة إعلانية

فيس بوك

تويتر

إختيارات القراء

إختيارات القراء